الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
346
مناهل العرفان في علوم القرآن
المذاهب في ترتيب السور : [ القول الأول ] اختلف في ترتيب السور على ثلاثة أقوال : ( الأول ) أن ترتيب السور على ما هو عليه الآن لم يكن بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ إنما كان باجتهاد من الصحابة . وينسب هذا القول إلى جمهور العلماء ، منهم مالك والقاضي أبو بكر فيما اعتمده من قوليه . وإلى هذا المذهب يشير ابن فارس في كتاب المسائل الخمس بقوله : « جمع القرآن على ضربين : أحدهما تأليف السور ، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين ، فهذا هو الذي تولته الصحابة رضى اللّه عنهم . وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور ، فذلك شئ تولاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه عز وجل » . وقد استدلوا على رأيهما هذا بأمرين : ( أحدهما ) أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن في عهد عثمان ، فلو كان هذا الترتيب توقيفيا منقولا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذي تصوّره لنا الروايات . فهذا مصحف أبي بن كعب ، روى أنه كان مبدوءا بالفاتحة ثم البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران ، ثم الأنعام . وهذا مصحف ابن مسعود كان مبدوءا بالبقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران الخ على اختلاف شديد . وهذا مصحف علىّ كان مرتبا على النزول ، فأوله « اقرأ » ثم المدثر ثم « ق » ، ثم المزمل ، ثم « تبت » ثم التكوير ، وهكذا إلى آخر المكي والمدني . ( الدليل الثاني ) : ما أخرجه ابن أشتة في المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس عن حبان بن يحيى عن أبي محمد القرشي قال : « أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال فجعل سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع ، ولم يفصل بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم » ا ه ولعله يشير بهذا إلى ما رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال : « قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من